-
الجمعة، 30 مايو 2014
الأحد، 18 مايو 2014
عزيز عمامي
عزيز عمامى يكتب: تونس ليست مصر
كُتب في: 29 إبريل 2014
“تونس ليست مصر” ، “مصر ليست تونس”. تونس هي “تقريبا” مصر، و مصر هي
“تقريبا” تونس. هذا الـ”تقريبا” الصغير هو اللّذي يصنع الفرق الظاهر اللّذي يجعل
الإختلاف بيّنا و جليّا حين تتابع الأخبار يوما بيوم. وهو اللّذي يصنع تلازم
المسارات اللّذي يصير جليّا حين قراءة التّاريخ ومحاولة استشراف ما قد يحصل في
المستقبل القريب والبعيد. التّساوي في الباطن جليّ منذ أكلت مصر صفعة حملة
نابوليون، ولم يجد الباشا منوالا أقرب من المنوال التّونسي المستقلّ عن الباب
العالي مع الحفاظ على تبعيّة “دعاء الجمعة” . أو لعلّها ابتدأت من قبل، منذ بنا
جوهر الصّقلّي والمعزّ القاهرة، و زرعوا فيها الأزهر، أخ الزّيتونة الأكبر إشعاعا
والأصغر سنّا. كما يتمظهر هذا التّلازم في قرون الدّويلات المتناحرة قبل أن تفرض
الإمبراطوريّة العثمانيّة طريقة تنظّم تضمن لها استقرارا. يظهر هذا التّلازم كذلك
في الخيار السّياسي لمقاومة الاستعمار، مع بعض فصول المقاومة الشّعبيّة الشّبه
بدائيّة. عرّج على بورقيبة وعبد النّاصر اللّذين اختارا بعضيهما كنقيضين، دون أن
يصير هناك استعداء أو حدّة. إلى تاريخنا المعاصر و الحيني. يكمن الـ”تقريبا”، حسب
تشخيصي، في رؤية “العالم المهيمن” للمنطقة. وبالعالم المهيمن، أقصد خمسة مجلس
الأمن، فواقع انفرادهم بالقرار الجماعي على مدى عقود وارتهان الجميع لخلافاتهم
يجعلنا نتجاوز تقسيمات العوالم القديمة لنرتهن لما يخلّفه واقعنا الآني. رؤية هذا
العالم للمنطقة فيه تفاضل بين البلدين، لمصر أهمّيّة كونها دولة على قارّتين، في
جوار آبار النّفط والدّولة الصّهيونيّة، وما لتونس مثل هذا المقدار من الوزن في
عيون هذا العالم المحتكم لرؤية ضيّقة للمصالح. هذا التّفاضل يجعل البلدين، في كلّ
مرحلة وخطوة، يعيشان نفس الشّيء أساسا، لكن يختلف التّمظهر جذريا بين الواحد
والآخر. استئناسا بعبارات جديدة، مصر “هاردكور” في تجاربها بينما تونس “سوفتكور”.
هاته السّنوات المنقضية أحسن مثال. ما يحصل الآن كذلك. نفس الشّيء بين تونس ومصر :
إعلان فشل تجربة الإسلاميّين في الحكم، “تحييد سياسي” للحكم الانتقالي و تهيّء أهل
المنظومة القديمة لإعادة تشغيل ماكينتهم من جديد، بعد إضافة بعض التّعديلات
و“الرّتوشات” التّجميلية من قبيل الانتخابات “النزيهة” و “المحايدة”. تمرّ
العمليّة بسلاسة في تونس، عكس أنهار الدّم المتدفّقة في مصر. لكن العملية هي
نفسها. وهي تقتضي كذلك القضاء على تجربة النّشطاء الفريدة من نوعها حتّى الآن.
إيقافات في مصر وفي تونس، على خلفيّة قضايا خلنا أنفسنا لن نسمع عنها يوما ما، من
قبل “التحريض” و“حرق مراكز الشرطة” و“تكوين عصابة لقلب نظام الحكم”. العمليّة
نفسها، لكن التمظهر مختلف، كمّا وكيفا. فبينما تأخذ الاعتقالات طابعا عنيفا و
وحشيا واستعراضيا في مصر، تمرّ الأمور في تونس بصمت وفي سرّيّة. وبينما تنهك
الحملات المستعرة النّشطاء المصريّين، تبتدئ الحملات ببطء، لكن بثبات، في تونس.
تونس ليست مصر، ومصر ليست تونس. نعم. لكن تونس هي تقريبا مصر. وما
نحمله كمشترك يجعل لزاما علينا تقاسم التّجارب و النّقد والنّصائح. فما نؤسّسه
الآن كتجربة جديدة في غاية الأهمية للبلدين، وللمنطقة، ولغيرنا من بني البشر
المتلاطمين يمنة ويسرة. فتجربة النّشطاء، الغير مفهومة للآن، حتى لدى النشطاء
أنفسهم، مثال جديد. قطاع كبير من الشّباب النّاشط والمهتم و الطموح، واللّذي كانت
الرّؤى القديمة تراه في مشوار سياسي حزبي واضح، ترك الممارسة الحزبيّة. أرباح
ومنافع النّشاط الحقوقي والسياسي لا يتم استغلالها، من قبل هاته الطّائفة الجديدة،
من أجل السّلطة، بل فقط في مساءلة السّلطة ومحاصرتها. هؤلاء النّشطاء يشكّلون الآن
سلطة خامسة في ذاتهم وسلطة سادسة بالوسائل التّقنيّة الحديثة المتمرّسين عليها.
وهو أمر جديد، لازال العقل السياسي للعالم المهيمن لم يدركه بعد (لذلك وجب مواصلته
و تصديره)، لكن واقعه يغيّر بنى اجتماعيّة وثقافية وسياسيّة في العمق. شخصيّا، أرى
في كلّ هؤلاء نفس المشروع السّياسي ونفس التّعبير الأيديولوجي واللّذي يمكن
اختزاله في عبارة: “أنا إنسان حرّ وأنا هنا مواطن مع غيري وكغيري” لا أكثر. و يمكن
أن نستلخص تكتيكهم السّياسي في “نهدم وهمكم لنبني وطنا”. هؤلاء (والعديد منهم خاض
تجارب حزبية انتهت بالاستقالة) يشكّل وجودهم حجر عثرة في انطلاق “الماكينة” لتعمل
من جديد، سواء لدى سدنة النّظام القديم، أو حواري العالم المهيمن اللّذي لا يرى في
الكون سوى نقود يتقاسمها مع أصحابه. هاته التّجربة متلازمة، وبها بوادر وعي
وإدراك، يعطينا إمكانيّة للتّقدّم بأسرع خطى من الأطراف اللّتي نواجهها مع بعضنا،
وإن كان كلّ واحد فينا على حدة.
حاليّا، تبتدئ المحاولات الأولى للتّخلّص من النّشطاء في تونس،
وتبتدئ معها حملة مقاومة تطمح أن تتعزّز لتصير موجة حرب. فزمن المقاومة ولّا الآن
تاركا مكانه لوعي الإنتصار، وهاته المرّة، في اعتقادي، لابدّ أن تتجاوز الحملات
الدّفاع عن الأشخاص لتتحوّل إلى هجوم على “الماكينة” المذكورة (وهي تتكوّن من
إدارة تخدم القاضي والشرطي والعسكري، يمسكها سياسي ويمتصّ مالها ثم يضخّه فيها
رجال أعمال فاسدون). أدعو جميع النّشطاء في مصر للمشاركة بالنقد والتّفكير، دون
الإنخراط. فأكثر ما صرنا نحتاجه الآن بعضا من الحكمة والمعرفة اللّتي لا نستطيع أن
نكسبها دون “مسافة ما” تسمح للعقل بأن يحيّد دفق العواطف ويفصل في الحكم. فالمطلوب
منّا الآن أن نتعلّم الإنتصار. ووحده العقل قادر على ذلك.
تونس ليست مصر، و مصر ليست تونس. إلى حدّ الآن..
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
